الأسيرة لينا الجربوني عميدة الأسيرات .. مدرسة العطاء والصبر رغم الألم والجراح الغائرة

الأسيرة لينا الجربوني عميدة الأسيرات .. مدرسة العطاء والصبر رغم الألم والجراح الغائرة

هل يعقل أن أبقى وحيدة داخل السجن .. !! سؤال دار في مخيلتها طوال ليلة السادس من نوفمبر 2011م عندما علمت من بعض وسائل الإعلام أن اسمها ليس ضمن قائمة الأسيرات المنوي الإفراج عنهم – بحسب الاتفاق الذي اعلن عنه بين المقاومة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية وبموجبها يتم تسليم الجندي شاليط -.. انتظرت حتى طويلاً حتى طلوع الصباح على أمل أن تجد من يكذب هذا الخبر ويؤكد انه سيفرج عنها أيضا …  بصيص الأمل الذي انتظرته طوال خمس سنوات أن يكون اسمها ضمن الصفقة ..  لا يمكن أن تكون نهايته هكذا !!

طلّع الصباح بصعوبة كبيرة هذه المرة .. وجاءت مديرة السجن صاحبة الوجه القبيح التي لم تستبشر يوماً برؤيتها لتحمل معها خبراً تمنت لو أنها ماتت قبل ان تسمعه .. قالت لها بخسرية : “خبيبتي لينا .. اسمك مو موجود في كائمة الإفراج .. انت سكان دولة إسرائيل والكانون لا يسمخ بالإفراج عنك”  ..

الأسيرة لينا أحمد صالح الجربوني مواليد 11 كانون الثاني 1974م من عرابة القريبة من مدينة عكا الساحلية في أراضي 48، واحدة من الأسيرات اللواتي لم تشملهن صفقة “وفاء الأحرار” بحجة أنها تحمل الهوية الإسرائيلية ، رفضت سلطات الاحتلال إدراج سمها ضمن قائمة الأسيرات اللواتي أفرجن عنهم في الصفقة والأولى التي عرفت بصفقة ” الشريط المصور” والصفقة الثانية .. خيبة أمل جديدة عاشتها لينة ببقائها داخل السجون وحيدة تعاني القهر والاستبداد بكل صوره .

تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس قرية ” عرابة” ، وأنهت دراسة الثانوية العامة في الفرع الأدبي عام 1992م، غير أن وضع أسرتها المادي حال دون إكمال دراستها الجامعية، الأمر الذي دفعها للعمل في إحدى مشاغل الخياطة لمساعدة أسرتها. وتلقت لينا دورة تدريبية في تخصص السكرتارية الطبية في مدينة الناصرة.

اعتقلت في الثامن عشر من نيسان 2002 ولتتعرض في بداية اعتقالها لتحقيق قاسي داخل مركز الجملة لمدة 30 يوماً متواصلة ذاقت خلالها شتى أنواع وطرق التعذيب على أيدي محققين اسرائيليين لا يعرفون الرحمة على أمل أن يحصلوا على معلومات تدينها .. وللضغط عليها قام الاحتلال باعتقال شقيقتها لميس وأخيها سعيد ليمكثوا مدة 15 يوما في التحقيق .. حكمت بالسجن مدة 17 عاماً بتهمة التواصل مع (الأعداء) ومساعدة جهات (معادية) ، والمشاركة في إحدى العمليات الاستشهادية التي وقعت داخل دولة الاحتلال.

مدرسة العطاء
مدرسة العطاء وقوة الصبر والشخصية كما يصفها زميلاتها الأسيرات كونها استطاعت مساعدتهن جميعاً في تحمل آلام السجن والدفاع عنهم وعن مطالبهن والوقوف في وجه إدارة السجن كونها المتحدثة باسمهم في سجن “هشارون” أمام إدارة السجون، قامت بتحويل أقبية السجن لمسجد وقاعة تعليمية، لتعليم الأسيرات اللغة العبرية التي تتقنها ، كما تعلمهن مهنة التطريز والخياطة، وكذلك إقامة دورات عديدة منها الأحكام والتجويد والتفسير ..

واصلت لينا مسيرة كفاحها ونضالها داخل سجون الاحتلال، لتحتضن الأسيرات وتدافع عن حقوقهن الإنسانية أمام ما يتعرضن له من سياسات مقصودة لإذلالهن وانتهاك كرامتهن الإنسانية من قبل إدارة السجن التي تحرم كثير من النساء من العلاج الطبي، ومن زيارة أزواجهن المعتقلين، وقادت العديد من الخطوات الاحتجاجية ضد الحملات المسعورة التي تشنها ادارة السجن وضد السجينات الجنائيات “اليهوديات” الموجودات بنفس السجن .

تفتخر الأسيرة لينا جربوني بالنساء الأسيرات وتعتبرهن مناضلات عظيمات، ضحين بكل شيء في سبيل قضيتهن الوطنية العادلة، فهي استقبلت وودعت مئات الأسيرات اللواتي خضعن للاعتقال، تحمل معها ذكريات جميلة مع كل أسيرة كانت تأتي من الخارج تحدثها وتخفف من هول الصدمة التي زرعها المحتل في  نفسها ، فهناك من الأسيرات من هي الأم وهناك القاصرات وهناك الإداريات ، فتأتي مهمة لينا التي تعمل على تعزيز صمودها وتذكرها بقوة المرأة الفلسطينية الشامخة.
مرارة السجن
ظروف السجن وقساوته والإهمال الطبي المتعمد أثر على صحتها ونال من جسدها الهش،  فهي تعاني اليوم من عدة أورام مختلفة وأوجاع في القدمين بالإضافة إلى وجع الرأس المتواصل، ومؤخراً أصيبت بالتهابات حادة في المرارة  وتحتاج إلى عملية جراحية كما قرر الأطباء ذلك، إلا أن سلطات الاحتلال تتعمد إهمال علاجها بشكل واضح واكتفى أطباء السجن بتقديم الحبوب المسكنة لها.

قبل أيام جاء اليوم الذي ترد فيه الأسيرات بعض الجميل لزميلتهم وقائدتهم لينا ..  فأعلنوا تضامنهم ووقوفهم مع عميدتهم وهددن بالإضراب المفتوح عن الطعام احتجاجا على الإهمال الطبي الذي يمارس بحق لينا التي تعاني من آلام حادة منذ عدة أشهر لحاجتها لإجراء عملية لإزالة حصوة من المرارة، إدارة السجن أبلغت الأسيرة الجربوني أن عليها أن تنتظر دورها لإجرائها، الأمر الذي قد يجعلها تنتظر لعدة أشهر أخرى.

تبقى لينا رمزاً للمرأة الفلسطينية الصامدة والصابرة المتعالية على الجراح ، رغم قساوة السجن وقهر السجان ترفض الخضوع والذل تخفف من آلام زميلاتها وتنسى جراحها الغائرة التي تزيد مع كل وداع أسيرة تعانق الحرية وتبقى لينا خلف القضبان وحيدة تنتظر فجر جديد يخلصها هذا الوجع المميت ..

تعليقات الفيسبوك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى